محمد متولي الشعراوي

4162

تفسير الشعراوى

ومن قبل فصل الحق سبحانه لنا خلق الإنسان ، ويفصل لنا هنا خلق السماء والأرض لأن ظرف وجود الإنسان هو السماء والأرض ، وكل الخيرات تأتى له من السماء ومن الأرض ، وإذا كان اللّه قد علمنا كيف خلقنا ، فهو هنا يعلمنا كيف خلق السماوات والأرض ، وخلق الإنسان وخلق السماوات والأرض مسألتان ينشغل بهما العلم الحديث ، فمن العلماء من قال : إن الأرض انفصلت عن الشمس ، ومنهم من افترض نظريا أن الإنسان أصله قرد ، ولهؤلاء نقول : هذا حكم منكم لا يقبل ؛ لأنكم لم تشهدوا الخلق ، ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم كيف خلق الخلق . هو سبحانه يقول : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 54 ) [ سورة الأعراف ] والآية تتعرض للخلق الأول وهو السماوات والأرض - كما أوضحت - وهو الظرف الوجودي للإنسان الخليفة وطرأ الإنسان على هذا الكون بكل ما فيه من قوى ونواميس ، فكأن اللّه أعد الكون للخليفة قبل أن يخلق الخليفة ليجىء الخليفة فيجد كونا مسخرا له ؛ ولا يستطيع أي كائن منه أن يخرج عن مراد اللّه في شئ ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ ) . ومعنى « خلق » أي أوجد شيئا كان معدوما وبرأه على غير مثال سبقه . فربنا سبحانه قدر كل شئ بنظام دقيق غير مسبوق ، هذا هو معنى الخلق ، وكلمة « الخلق » مادتها الفاعلة هي : خالق ، وسبحانه وتعالى يجمعها مع أنه الخالق الوحيد فيقول : . . فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ سورة المؤمنون ] إذن فهناك الخالق الأعلى وهو اللّه ، ولكنه سبحانه أيضا أشرك خالقا غيره معه فقال